الملتقى

ملتقى ثقافي ترفيهي خدمي إجتماعي
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثقائمة الاعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الجهل المقدس.. زمن الدين بلا ثقافة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ميدان التحرير



عدد المساهمات : 14
تاريخ التسجيل : 05/05/2011

مُساهمةموضوع: الجهل المقدس.. زمن الدين بلا ثقافة    الثلاثاء أغسطس 30, 2011 11:47 am


الجهل المقدس.. زمن الدين بلا ثقافة


ظاهرة جديدة بدأت تطرق أبواب العالم هذه الأيام تمثلت في عودة الديني إلى الفضاء العام وانبعاثه من قلب الحداثة والعلمانية.
تلك الظاهرة الدينية عامة والإسلامية بشكل خاص هي ما يتناوله المفكر الفرنسي "أوليفيه روا"، الخبير في الظواهر الدينية ومدير قسم الأبحاث بالمركز الوطني للبحث العلمي في فرنسا، في كتابه الجديد "الجهل المقدس" الصادر عن دار لوسوي في طبعته الأولى سنة 2008، وقد سبق هذا الكتاب إصدارات للكاتب حازت شهرة واسعة في كافة أروقة الفكر والثقافة في العالم، منها: "الإسلام المعولم" 2002، و"فشل الإسلام السياسي" و"العلمانية في مواجهة الإسلام" 2005.

تساؤلات مثيرة



يفتتح روا كتابه بحزمة من الأسئلة المثيرة التي تفتح شهية القارئ والباحث معا منها: "لماذا يتحول المئات من المسلمين بآسيا الوسطى إلى المسيحية أو طائفة "شهود يهوه" ذات الجذور اليهودية؟ ولماذا تحقق الإنجيلية البروتستانتية اختراقا مثيرا بالبرازيل-25 مليون عضو في سنة 2007- وفي إفريقيا الغربية؟ ولماذا تتصدر المسيحية "البونكوتيزم" جميع الأديان والملل في سرعة الانتشار؟ ولماذا تجذب السلفية الجذرية الشبان الأوروبيين البيض والسود؟ ولماذا يفضل المعتنقون الجدد للإسلام جماعة القاعدة على غيرها؟


ويتابع الكاتب إثارته للأذهان عبر استمرار تساؤلاته: لماذا تعاني الكنيسة الكاثوليكية من التراجع في عدد أعضائها ونقص في الإقبال عليها بالغرب؟ وكيف أصبح كثير من المدافعين عن الكنيسة الإنجليكانية من الأفارقة خاصة من نيجيريا وكينيا، ولماذا تفضل الأرثوذوكسيات السلافية الانطواء على هوياتها الوطنية مثلها مثل الهندوسية على خلاف البروتستانتية؟ ولماذا تخترق البوذية الديار الغربية؟ ولماذا يؤدي التشدد المذهبي بإيران إلى علمنة المجتمع المدني؟ ولماذا تنتج كويا الجنوبية أكبر عدد من المنصرين البروتستانت، وتأتي مباشرة بعد الولايات المتحدة الأمريكية؟ وماذا يقع حقا عندما تبتعد الديانات عن جذورها الثقافية؟

الدينية والعلمانية



ويستعرض الخبير الفرنسي التدافع الحاصل بين العلمانية والدينية، ويرى أن هناك نظريتين تتخاصمان منذ الربع الأخير من القرن الماضي، حول تفسير عودة الدينية في قلب العلمانية والحداثة؛ إذ ترى الأولى أن العلمنة نتيجة لتطور حتمي، فهي شرط الحداثة ونتيجة لها، بينما ترى الأخرى أن عودة الدينية نوع من الاحتجاج ضد حداثة استلابية أو وهمية، وليس الدين العائد إلا شكلا من أشكال الحداثة.


ويرى روا أن هذا الجدال ليس فكريا خالصا، فهو في فرنسا يحتل بؤرة الصراع حول العلمانية منتجًا تساؤلات من عينة: هل يجب فرض العلمانية ضد الدين على حساب الحرية الفردية، أم أن التجديد الديني ليس إلا انعكاسا للتنوع والغنى والحرية الإنسانية؟


ويؤكد أن هناك سوء فهم كبير في هذا المجال؛ لأن العلمنة لم تمح الدين محوا تاما، بل قامت بفصله من المحيط الثقافي، من حيث لا تشعر، ودفعته إلى إعادة ترتيب أوراقه، فعبر عن نفسه في شكل جديد.


ويتابع: "عندما ننظر إلى حركة التدافع عبر التاريخ بين الديني والسياسي نخلص إلى أنه كلما زحف الديني على السياسي وزاحمه في الاشتغال والممارسة والسلطة، أدى ذلك إلى عملية علمنة".


وبحسب روا فإن الديني عندما يتسيس يجد نفسه محاصرا بين أمرين، فالكفر به يعتبر فضيحة، فالإيمان لا يمكن أن يكون إلا فرديا، والديني المتسيس لا يتنقل إلا على مبدأ أن جميع الناس مؤمنون به، وعندما لا يستطيع أن يفرض الإيمان على الجميع في السرائر، فإنه يلح على المظاهر، وبذلك لا يصبح هذا الديني تعبيرا عن المشترك الجماعي.


التجديد الديني، في رأي روا، إذن، ليس رد فعل للعلمانية، بل هو نتيجتها، فالعلمانية هي التي صنعت الدينية، فلا يصح الحديث عن "عودة الدينية"، ولكن الأمر متعلق بلحظة تحول زمنية.


ولا يعتقد الباحث أن ظهور الدينية دليل على تزايد نفوذ التدين، بل نراه يقدم أرقاما حول تناقص الظاهرة، على الأقل في القارة العتيقة؛ إذ إن السلوك الديني للأوروبيين استمر في الانخفاض في "زمن عودة الدينية"، ففي إسبانيا حيث تقدم الدولة للكنيسة نسبة 0.25 بالمائة من الضريبة على الدخل للكنائس بموجب قانون صوت عليه سنة 1987، إلا أن عدد المؤسسات التعبدية الكنسية التي تستحق تلك الأموال انخفضت نسبتها من 42.73 % سنة 1993 إلى 34.32 % سنة 2002.


أما في بريطانيا فقد سُجل انخفاض كبير في التطبيق الفعلي للتعاليم الدينية عند جميع الفئات البريطانية باستثناء البولونيين -50% من الحضور لموعظة الأحد- والإنجيليين والمسلمين، مع الإشارة إلى أن "الإحياء الديني" يُسجل وبصفة خاصة لدى المهاجرين القادمين من القارات الأخرى إلى أوروبا.

الديني الصافي



ويتحدث روا عن "الديني الخالص" أو "الصافي" ويقصد به الحالة النفسية والروحية للمتحولين من دين إلى آخر، خاصة المسلمين الجدد، و"للتائبين" الذين شعروا بولادة جديدة في دينهم السابق، وهذا حاصل بين الإنجيليين والسلفيين المسلمين، فعندما "يولد" المتدين من جديد يفاصل مجتمعه والثقافة السائدة، ويعتبر كل ذلك رجسا أو جاهلية أو عائقا ينبغي تجاوزه، فيقطع العلاقات ويهدم الجسور بينه وبين المجتمع.


ويجري التقوقع على الذات والجماعة أو الطائفة بالإعلان عن المفاصلة الواضحة البينة بين جماعة "المؤمنين" وباقي العالم، فيضمحل الفضاء الثقافي المشترك، ويصبح الشعار المهيمن هو "هم" و"نحن"، ويصير "الإيمان العملي أو الحركي" هو العلامة المميزة، وليس مجرد الانتماء.


فالمجموعات البروتستانتية تعتمد على "الاعتراف" و"البوح"، ولا تقبل من البالغين الذين يلتزمون شخصيا بإعادة تعميدهم، ولا مكان فيها "للمسيحي الهجين" أو "المسيحي الاجتماعي"، والعقيدة الشخصية ينبغي أن تسمع وترى.


ويفرق الباحث في هذا السياق بين الكاثوليك والإنجيليين والسلفيين والتبليغيين، فالكاثوليك يصرون على بقاء العلاقة مع الثقافة وإدماجها داخل الحقل الديني، لكن الإنجيليين والسلفيين يشكل لهم مفهوم الثقافة إشكالا كبيرا ينبغي التخلص منه كليا؛ لأن تلك الثقافة جاهلية وفساد، ولضمان طهارة الإيمان والعمل يجب تجاهلها.


فالإنجيليون الأمريكيون يمتنعون عن شرب الخمور وتناول المخدرات، ويراقبون سلوكهم الجنسي بشدة، ويشيدون بينهم وبين العالم الآخر جدرانا وسدودا، فالسينما والرقص والمسرح والأدب والبرامج الترفيهية... كلها من الممنوعات.


ويقدم روا نموذجا لرفض الثقافة والعلم أيضا لدى المتدينين الجدد، خاصة الإنجيليين، على لسان إحدى العضوات؛ إذ تقول "ليس لنا حاجة للثقافة لمعرفة الدين، وليس لنا حاجة إلى العلم والتعليم الديني، حاجتنا الكبرى والماسة تتمثل في إسلام النفس والروح للرب لإفراغها من المفاسد وملئها بروح المسيح".

متنصرون



لاحظ روا أن عدد المسلمين الذين تنصروا في زمن الاستعمار كان قليلا، لكن العدد اليوم صار كبيرًا بعد رحيله، ويفسر ذلك بفك الارتباط بين الدول الاستعمارية والكنائس التي صاحبتها، ويقدم بعض المعطيات عن المتنصرين من المسلمين، فيذكر أن التنافس على أشده بين الكاثوليك والبروتستانت على المهاجرين المغاربة بالغرب؛ إذ إن الإحصائيات المقدمة من الكنيسة الكاثوليكية الفرنسية تقول إن 400 مسلم رغبوا في تعميدهم كل عام في سنة 2000، مقابل 200 في سنة 1990.


وإذا كان الكاثوليك أقل نشاطًا في الدعوة لدينهم، فإن الإنجيليين ينظمون حملات مركزة ومتتالية.


ويضرب الباحث لذلك مثلا بسعيد أوجيبو، والذي يرأس حاليا فيدرالية المسيحيين لشمال إفريقيا بفرنسا، والذي يزعم أن عدد الأعضاء يصل إلى 100 ألف شخص، ومن الوجوه الأخرى عز الدين بنطيبة وعمر بوعزيز، وهم جميعا إنجيليون، ومن الوجوه الكاثوليكية القس رشيد بوبغرة.


ويرى أن هؤلاء المتنصرين من أصل مسلم يكسرون الصورة القديمة المنتشرة بين الناس عن إسلام طائر يستعصي على المسيحية أن تطرق بابه.


ويخلص روا إلى أن التحول من دين إلى آخر مفتاح لفهم ما يجري، وعندما يصبح هذا الأمر بديهي؛ فإن ذلك سيكون علامة على أن الأديان تعيش حياتها فوق الثقافات، وأن صدام الحضارات أو حوارها الذي يفترض وجود علاقة ثابتة ومتبادلة بين الثقافي والديني، ليس سوى خيال عقيم.


ويلاحظ على الباحث هنا أنه لم يقدم تفسيرا مقنعا لتحول المسلمين إلى المسيحية، وما دور المخابرات الدينية والسياسية في ذلك، وما دور مستغلي الأزمات وصناعها في استثمار الفقر والحاجة والجهل لزعزعة عقائد الناس، وندرك أن الأسئلة الكبيرة التي افتتح بها الكتاب ستترك القارئ في حالة انتظار لأجوبتها التي بقيت ناقصة أو غائبة.

ملاحظات وخلاصة



لقد فرضت الظاهرة الدينية نفسها اليوم، وعاد الدين ليملأ الدنيا ويشغل الناس، والحق أن الدين لم يغب إطلاقا عن الإنسان والمجتمع والحياة، ولكنه توارى في بعض الجهات وبقي ظاهرا في جهات أخرى، وغير من قسمات وجهه وملامح شخصيته في أماكن أخرى، وقد أصاب أوليفييه روا عندما قال إن الحديث عن عودة الديني غير صحيح؛ لأن الدين لم يغب عن الأنظار.


ولكن الباحث الفرنسي لم يكن مصيبًا في تعميم نظريته التفسيرية "الجهل المقدس" على المسيحية واليهودية والإسلام، صحيح أنه ميز في المسيحية بين الإنجيلية الأمريكية والكاثوليكية، ففهمنا أن حديثه منصب على البروتستانتية الإنجيلية الأمريكية، لكنه عند الحديث عن الإسلام اتخذ من السلفيين والتبليغيين نموذجًا فريدًا، في حين أن كما كبيرا من الحركات والمنظمات الإحيائية الإسلامية، أكثر عددا وتأثيرا من التبليغ والسلفية، لا تقطع الصلة مع مجتمعها وثقافته، ولا مع العالم وثقافاته، وتصر على التثاقف والتلاقح والتعارف، فكيف تصبح الأقلية حجة على الأكثرية.


آفة التعميم هذه هي نفسها التي جعلت روا يخطئ في كتابه "فشل الإسلام السياسي" ليحكم على تجربة هنا أو هناك بأنها دليل على فشل الحركات الإسلامية في مشروعها، وقد فعل مثله باحثون غربيون متخصصون في الظاهرة الإسلامية مثل "جيل كيبل" وغيره.


ويمكن الاستنتاج بسهولة أن الكتاب يعاني من شح كبير في المراجع والمصادر التي تتحدث عن الإسلام، في حين أنه ممتلئ حتى الثمالة بالمراجع والمصادر التي تتحدث عن المسيحية والبروتستانتية.


وتلك آفة أخرى لكثير من الباحثين الغربيين المتخصصين في الديانات وسوسيولوجيتها وسيكولوجيتها وأنتروبولوجيتها وجغرافيتها السياسية، بل وفي تاريخها أيضا.


إن هذه الملاحظة تحيلنا على أمر آخر يغيب عن جل الدارسين لحركات الإحياء الإسلامي القديمة والجديدة، وهي خاصية التجديد الذاتي في تاريخ الدين الإسلامي، التي تميز بين الإسلام وسائر الديانات الأخرى ومللها ونحلها.


ومن نافلة القول إن هذه الملاحظة تصل بنا في النهاية إلى علاقة المناهج المتبعة في العلوم الإنسانية بالدين عامة، والإسلام خاصة، وهل هي مناهج تصلح للتفسير والتحليل، أم أنها قاصرة في فهم التحولات الإسلامية على الخصوص، وتحتاج إلى مراجعات وتصويب؟.

الحسن سرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://forum1.montadarabi.com
 
الجهل المقدس.. زمن الدين بلا ثقافة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الملتقى :: الدين وتلاقح الثقافات .-
انتقل الى: